الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
224
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا » ، قل : فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك . وكان ابن شهاب إذا سأله عن ذلك من يفهم منه أنّه كان قتل نفسا يقول له : « توبتك مقبولة » وإذا سأله من لم يقتل ، وتوسّم من حاله أنّه يحاول قتل نفس ، قال له : لا توبة للقاتل . وأقول : هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسّرين كما علمت ، وملاكه أنّ ما ذكره اللّه هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحدّ المألوف من الإغلاظ ، فرأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره ، دون تأويل ، لشدّة تأكيده تأكيدا يمنع من حمل الخلود على المجاز ، فيثبت للقاتل الخلود حقيقة ، بخلاف بقية آي الوعيد ، وكأنّ هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار هذه الآية محكمة أو منسوخة ، لأنّهم لم يجدوا ملجأ آخر يأوون إليه في حملها على ما حملت عليه آيات الوعيد : من محامل التأويل ، أو الجمع بين المتعارضات ، فآووا إلى دعوى نسخ نصّها بقوله تعالى في سورة الفرقان [ 68 ، 69 ] : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ - إلى قوله - إِلَّا مَنْ تابَ لأنّ قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ إمّا أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة ، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمدا أجدر ، وإمّا أن يراد فاعل واحدة منها فالقتل عمدا مما عدّ معها . ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير : إنّ آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء . ومن العجب أن يقال كلام مثل هذا ، ثم أن يطال وتتناقله الناس وتمرّ عليه القرون ، في حين لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة . وذهب فريق إلى الجواب بأنّها نسخت بآية : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] ، بناء على أنّ عموم لِمَنْ يَشاءُ * نسخ خصوص القتل . وذهب فريق إلى الجواب بأنّ الآية نزلت في مقيس بن صبابة ، وهو كافر - فالخلود لأجل الكفر ، وهو جواب مبني على غلط لأنّ لفظ الآية عامّ إذ هو بصيغة الشرط فتعيّن أنّ « من » شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل على شخص معيّن ؛ إلّا عند من يرى أنّ سبب العامّ يخصّصه بسببه لا غير ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه . وهذه كلّها ملاجئ لا حاجة إليها ، لأنّ آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها ، حتّى بلغت حدّ النصّ المقطوع به ، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها حتّى الكفر . على أنّ تأكيد الوعيد في الآية إنّما يرفع احتمال المجاز في كونه وعيدا لا في تعيين المتوعّد به وهو الخلود . إذ المؤكّدات هنا مختلفة المعاني فلا يصحّ أن يعتبر أحدها مؤكّدا لمدلول الآخر بل إنّما أكّدت الغرض . وهو الوعيد ، لا أنواعه . وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة . وهو الذي يتعيّن اللجأ إليه ، والتعويل عليه .